الثلاثاء، 7 فبراير 2017


بعد مرور خمسون عاماً
فى ليلة من ليالى الشتاء القارِس.. إذا بالظلام الدامس يعُم المكان كله فى ساعاته الأولى من صباح اليوم التالى.

إستيقظتُ فيها فجأةً من نومى العميق.. فشعرتُ بالقلق والحيره ولا أعرف لماذا.. فلا أرى شيئاً هنا فى غرفتى الصغيرة سوى هذا الشعاع الساقط من تلك "الأباجورا" المضيئة على هذا الكم من الأوراق البيضاء التى أمامى.. فجلستُ على مكتبى ذو المقعد الخشبى.. وإذا بعيونى تقع على تلك الورقة الخاوية الحاملة لأسم " أرض الأمواج ".. فتذكرتُ شىء من الماضى الجميل الأليم.. الحزين القاسى.. وبدأت أكتب اليه ما يدور فى خيالى.. من كلمات ومعانى.. شعرت فيها بأن مشاعرى بدأت تملاء هذة الكلمات بحروفً تحمل اليها من بين تلك السطور الشوق والحنين.. الفراق والأنين.. وكلما تعمقت بقلمى فى الكتابة زادت عاطفتى بغزاره.. فلم يبقى لى من الوقت سوى القليل من الدقائق المعدودة لكى أودعها وأفارقها لإعود مرة أخرى الى فراشى من جديد.. فتركت ما كنت أكتبه إليها.. ولكن مازال عقلى مشغولاً بها الأن.. وبدأت أفكر فيها طوال هذة الليلة العميقة.. فقررتُ السفر إليها وعزمتُ على أن لا أفارقها أبداً.

وفى صباح اليوم التالى.. ها أنا هنا واقفاً أمام تلك المحطة الطويلة العريضة.. متجهاً اليها بحركاتى المٌسرعة حتى أصبحت أنفاسى متقطعة.. فأوشكتُ على أن أفقد قدرتي على الشهيق والزفير.. حاملاً حقيبتى فوق كتفى.. وعيونى حائرة من وراء نظارتى السوداء ما بين هذا وذاك باحثاً عن قطارى المتجة نحو أحضان الجنوب.

وأخيراً وصلت الى باب تلك العربة من هذا القطار المُكيف.. وبعد سيرى بداخله إذا بمشاهدتى لرقم مجلسى أمامى.. وفور جلوسى على المقعد المُبطن صاحب المسندين.. إذا بإمرأه مُسنه سمراء اللون ملامحها متجعده تجلس بجوارى.. قد تبدو لى جنوبية.. فعمرها قد يتجاوز عمرى ثلاث مرات قد يصل الى الواحد والثمانين.. فعندما نظرت اليها رأيت فى ملامحها الأصل والأصالة.. الطيبة والبرأه.. وكأنها طفلة فى بداية عمرها.. إلا وأن عيونها لا تهدأ فى حركاتها ما بين هنا وهناك يميناً ويساراً.. متجهة دائماً بنظراتها نحو الخارج من خلف تلك النافذة الزجاجية الصماء فهى لا تشعر بما يدور حولها.. وكأنها تراقب أحداً أو أن أحداً يراقبها.. يبدو إنها هنا بمفردها مثلى تماماً.. فأنا لا أجد أحداً يودعها كمثل باقى المسافرين فى هذة العربة.. فالجميع هنا واقفون يتبادلون الإشارات بالحركات والعيون ما بين الداخل والخارج.. وهى لم تقم بمثل ما يفعله الأخرون فلم يقل لها أحداً الوداع أو مع السلامة.

وإذا بعجلات القطار تتحرك ببطء فى سكون لتصل الى سرعتها المعتاده.. وبعد مرور ساعات شعرت فيها بالجوع والعطش فأخرجت ما يكفينى من الطعام من داخل حقيبتى التى تعلو فوقى ما بين الرومى والبيضاء.. فقبل أن أبدأ ببسم الله قلت لها إتفضلى يا أمى.. فإذا بها تنظر إلي بعيونها الساحرة المليئة بالغموض والأسرار.. فتقول لى بالف هنا يا ولدى.. فلم أجد معها شيئاً سوى شالها الأسود ملفوفاً حولها.. فهى لا تحمل معها أى أغراض أو حقائب سفراً وكأنها ليست متجهة الى مكان ما.. فأصريتُ على أن تأخذ منى ما أقوم بتناوله إلا إنها كريمة عفيفة.. رفضت عرضى هذا بكل ذوق وشياكه.. فقالت لى عندما أشعر بالجوع سأطلب منك يا ولدى تفضل أنت بالهنا والشفا.

إنتهيت من تناول الطعام وحان الأن وقت حضور العصير.. فإذا بى أقوم بمثل ما فعلت معها من قبل ولكنها أيضاً رفضت عرضى هذا.. يالها من إنسانه حقاً محيره جعلت من فضولى بأن أتترق إليها لإقترب منها أكثر لإعرف ما هى قصتها.. يبدو لى بأن هناك شيئاً ما بداخلها يشغل عقلها ويحيرها.. ولكننى لاحظت فى كلامها بإنها ضعيفة كلما تتحدث إلي بالعربية.. فسألتها من أين أنتِ يا أمى؟.. فإذا بها تبتسم إلي قائله لماذا تسأل هذا السؤال يا ولدى؟.. فأجبتها بكل صراحة ووضوح فقلت لها أشعر بإنكِ لستِ مصرية ولكن ملامحكِ تدل على إنكِ جنوبية.. فقالت لى فأنا نوبية مصرية ولا أتحدث بالعربية سوى القليل منها.. فنشأت على لغتى وبدأت أتحدث بها منذ صغرى وحتى الأن.. ثم قالت لى وأنت من وين يا ولدى؟.. فقلت لها أنا أيضاً نوبى من قرية الديوان.. ولكن وضعى يختلفُ عنكِ تماماً فأنا أتحدث بالعربية ولا أتحدث بالنوبية سوى القليل منها.. فأنا أعيش هنا فى الأسكندرية منذ ولادتى.. ثم قالت لى ألم يعلمك والدك أو والدتك النوبية.. فقلت لها لا ولكننى تعلمت منها القليل من خلال سماعى لحديثهما فى بعض الأحيان.. ثم قالت لى هاكذا يكون حال معظم شباب النوبة هنا.

إقتربت المسافة بيننا الى حد ما وبدأت أتقرب اليها أكثر لآعرف ما هى قصتها منذ خروج ذلك القطار من محطة مصر بالأسكندرية.. ثم سألتها مرة أخرى فقلت لها أشعر بإنكِ لديكِ الكثير من القصص والحكايات عن بلاد النوبة قديماً أريد أن أسمعها منكِ يا أمى.. فقالت لى أنا لا أعرف أى قصص يا والدى فانا أمية لا أعرف القراءة ولا الكتابة أبداً فى حياتى ولكننى لا أعرف سوى قصة واحده فقط يا ولدى.. فقلت لها وما هى تلك القصة يا أمى.. لقد جعلتينى أشتاق اليها لأعرفها.. فقالت لى وهى مبتسمة ولكنها حزينة فى أن واحد.. قصة "غالية" يا ولدى.. ألم تسمع عنها من قبل.. فقلت لها لا.. لم أسمع عنها أبداً.. ثم سألتها وما هى قصتها يا أمى؟.. أهى قصة عن فتاه نوبية أم شىء أخر يحمل هذا المعنى؟!!.. فقالت لى نعم إنها قصة نوبية قديمة تحمل فى إسمها الأسم والمعنى.. فطلبت منها أن تحكى لى عنها.. فتقبلت منى هذة الكلمات وبدأت فى سرد الحكايات.. وكأنها قصة من قصص الف ليلة وليلة.. فقالت لى أسمع يا حفيدى فأنت فى الحقيقة أصغر من عُمر ولدى الذى لم أنجبه طوال فترة حياتى.. فإندهشت لما سمعته منها فتوقعت إنها إما لم تتزوج على الإطلاق أو متزوجة ولكنها لم تنجب أبداً على الرغم من عُمرها هذا.. ولكننى تركت ما أفكر فيه وبدأت إنتبه اليها أكثر وكلي أذان صاغية فيما ستقوله لى عن تلك القصة التى أشتاق لمعرفتها.. فكانت بدايتها بالصلاة والسلام على الحبيب المصطفى سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

ومن هنا بدأت قصتى معها برحلة عبر الزمان لتنتقل بى من الواقع الحالى الى الماضى العريق الذى لم أعيش فيه ولكننى أعشقه بكل ما فيه.. وبدأت تروى لى تلك القصة العجيبة عن حياة ونشأت "غالية" منذ البداية وحتى النهاية.

قائله.. كانت هناك فتاه جميلة جنوبية يطلقون عليها "أونتى" بمعنى القمر من أصول نوبية عائلتها ميسوره الحال.. نشأت وترعرعت فى قريتها بـ"أبو حنضل".. عاشت هذة الفتاه قصة حب طويلة مع شاب بسيط الحال أسمه "دهب" وإنتهت بزواجهما .

بدأ "دهب" حياته الطبيعية معتمداً على نفسه فى كل شىء ليستقر مع زوجته فى حياة مستقلة خاصة بعيداً عن عائلتها وبرفقته إمه المُسنه بعدما تركه "عجم" شقيقه الأكبر عن عُمر لا يتجاوز العشر سنوات ليذهب مع إمه الأخرى التى أصرت على أن يذهب معها الى بلادها فى السودان بعدما توفى والدهما هنا فى أحضان هذة القرية.

فكانت حياتهما الزوجية مبنية منذ البداية على الحب بكل معانيه والكفاح بشتى صوره.. ولكن لكل منهما كان لديه أملاً في هذة الحياة بأن يرزقهما المولى عز وجل بمولود ليكون خلفاً لهما فى هذة الدنيا بعد وفاتهما.. بعد فترة زواج طويلة إستمرت بينهما.. إلا وأن إستجاب لهما المولى فمَن عليهما ببشرة خير.

وفى ذات الأيام خرج "دهب" من بيته كعادته ساعياً وراء رزقه ما بين هنا وهناك.. وترك زوجته فى رعاية خالقها.. إلا أن شعرت بتعب وألم شديد.. وبعد معرفه عائلتها بحالها.. بدأو من حولها يترقبون.. وينظرون اليها فى سكون.. فتتذكر دائماً خالقها ما بين لحظة وأخرى ليهون عليها شدة آلامها.. وإذا بصرخةً عاليةً تخرج من فُمها لتهز قوتها حوائط الجدران.. فيصمتُ صوتها الذى كان يعلو من فُمها من الكلمات والآهات.. ليعلو صوت صراخ صغيرها لتظهر على وجه الدنيا بعد غياب طال إنتظاره خمسة عشر عاما.. ومازال الأمل موجود فى رب الوجود.. إلا وأن شاءت الأقدار بأن يرزقهما المولى عز وجل بـ"أُوناد" أى بمولود.. فأكرمهما ومَن عليهما بطفلة جميلة.. سمراء اللون.. برئية الوجة.. صافية الملامح.. إحتاروا فى إسمها.. فأطلقوا عليها.. "غالية".

ظهرت "غالية".. كظهور النور فى ظلام الكهوف.. لتملاء سماء الدنيا بالفرحة والسعادة.. وهى تصرخ صراخاً شديداً بين يد أمها.. والبهجة عارمة تسود وجوه الحاضرين من أقاربها وجيرانها بالقرية.. فالمنزل به زحام شديد.. وإذا بالجميع يدخل ويهنىء بقدومها.. فأصحبت تحمل فى معانيها الأسم والصفة.

والجميع يردد ويقول
                غالية يا غالية.. بإسمك وصفتك أصبحتى غالية
غالية يا نور.. يا بدر البدور.. نمشى وندور.. ونقولك يا                       غالية.

مرت أيامها الست كامرور الكرام لتصل الى يومها السابع منذ ولادتها والذى يسمى بالنوبية بـ"كُولد" أى يوم السبوع.

وفى الصباح الباكر من هذا اليوم الموعود.. ذهبت إمها وهى تحملها بين زراعيها مرتدية زيها الرسمى من "الجرجار" وهو نوع من القماش المشجر.. شفاف.. أسود اللون.. أسفله جلابية عادية ملونة.. وعلى رأسها طرحة سوداء من نفس القماش.. متجهة وبرفقتها مجموعة تتوسطها الأعمار من الأقارب والجيران الى ضفاف النهر المقدس لتستبارك بمَاؤُهُ الطاهر.. فهو ضيفهم وشريكهم الأساسى فى جميع مناسباتهم الإجتماعية.. فضلاً عن إنه مصدر الخير والوفاء.. يحملون اليه التقديس والإحترام.. العشق والرهبة.. حتى أصبح بالنسبة لهم ذو قدسية خاصة.

إنطلقت رحلتهم.. من منزل الأمورة "غالية" ست الحُسن و الجمال.. وحولهم الأطفال الصغار يمرحون ويغنون.. فالوجوه مبتسمة وناضره.. والغناء لا يفارق الأفواه.. فالأنغام راقصة والأجساد متعانقة تتراقص ما بين هنا وهناك فى حركات خفيفة رشيقة.. وكأنهم فى موكب زفاف حقيقى.. يمرون من شارع لإخر وسط أحضان البيوت الطينية بأشكالها واللوانها الزاهية وطلائها الصافى ومساحتها الشاسعة بمثلثاتها الصغيرة العالية.. إذ تتدرج فى طبيعتها الصخرية وتنحدر من على جانبيها الشرقى والغربى نحو ضفاف هذا النهر.. مروراً بالغابة الشجرية من البساتين الخضراء وصولاً الى أشجار النخيل المرصوصة.. الشامخة المحاذية لمجرى النهر بجريدها الأخضر.. وحركاتها البطيئة.. وكأنها تصافح بعضها البعض.. فيتنقلون ما بين الزهور والأغصان.. كالفراشات الملونة.. بأجنحتها المرحة.

وأخيراً وصلت الرحلة الى نهاية المطاف.. فإذا بالنهر أمامهم يرون مياهه المتدفقة من الجنوب الى الشمال.. دافئة تجرى وسط أمواجه الهادئة.. فالجبال شاهقة ذات قمم مستوية على جانبيه بسلاسلها المتعرجة كأمواج البحر المتلاطمة تتوسطها الكثبان الرملية الناعمه المتجة نحوه.

نزلت الأم ومعها الأمورة "غالية" على حافته.. وبدءت تمارس تلك الطقوس الغريبة لتحمل هذة المياه بيداها من على سطحه لتغمر بها وجه إبنتها الصغيره ووجهها على مدار سبع مرات.. وفى كل مرة تدعى المولى عز وجل بأن يبارك له فيها.. والجميع يرددون من ورائها فى صوت عالِ "أمين".. كأن أرواحهم نابعة من جسد شخص واحد.

حتى جاء ميعاد العقيقة فأخذوا الأطفال نصيبهم فى صحن كبير.. وهم يأكلون فى فرح ومرح.. وسط اللمة والصحبة.. على تلك الرمال الناعمة.. فالمنظر هنا جميل وبديع.. والجو صافى وهادىء.. والفرحة عارمة نابعة من القلوب.

عادت الرحلة كما جاءت أول مرة.. وذهبت الأم بـ"غالية" وهى بين أحضانها الى منزلها لتستكمل مراسم وطقوس هذا اليوم.. فوضعتها على الأرض والجميع من حولها يترقبون حركاتها فى سكون.. وبدءت تقوم بالتخطى من فوقها سبع مرات وهى تدعوا لها بالصلاح والفلاح وتشدد عليها بسماع نصائحها ونصائح والدها.. ثم قامت برش الملح وقترات من اللبن وسبع حبات مختلفة من البقوليات سبع مرات خشية عليها من عين الحسود.. أما والدها فكان مشغولاً بذبح العقيقة وبرفقته أقاربه وأصدقائه يساعدوه ويعاونه.. فالكل هنا يعمل على قدم وساق.. صغيراً وكبيراً.. والجميع يشارك ويساعد فى الفرح.. البنات يذهبون على شكل مجموعات ليملؤ الأزيار الفارغة من ماء النهر.. والشباب يجمعون ويجهزون الأحطاب لإعداد تلك القعيقة.


حان الأن وقت الإستعداد لإعداد الغداء.. وجاء دور السيدات.. فى هذة الحجرة الجنوبية من المنزل المخصصة لإعداد الطعام والمسماه بـ "بيت الدوكة" أو "الكانون" والدوكة.. هى اله الصنع الوحيدة التى يتم عليها صنع العديد من المخبوزات.. حيث الأوانى الفخارية المصنوعة من الطين المحروق.. وبدأو فى تجهيز الأصناف العجيبة والغريبة من تلك الخريطة الطويلة العريضة من المأكولات والمشروبات النوبية المختلفة التى تتميز بمكونتها البسيطة النابعة من بيئتها المحيطة.. الحركات سريعة هنا فكل منهم يعرف دوره.. حتى جُهزت الفتة باللحمة.. والطشة والشطيطة.. والمرجيجة والإتر.. ومعاهم كمان عيش الكابد.. وعلى رأسهم الملوخية المفروكة.


بدأو الشباب فى حمل "الفالا" أى الصوانى المغطاه بـ "الشَور" من بيت أبو"غالية" ليتم وضعها على "البرش النوبى" الحصير المفروش أمام المنزل بشكله المنظم والمتناسق.. كبار القرية وشيوخها جالسين على تلك المائدة الجماعية والشباب من حولهم واقفون كالحراس يلبون طلباتهم وفى خدمتهم دائماً.. وبعد الإنتهاء من وضع تلك الصوانى.. جلسوا الشباب وسط كبارهم وأخذوا يتناولون الطعام فى جماعة.. وكأن القرية كلها بيتاً واحداً تجمعهم المودة والترابط والألفة والمحبة.. رفعت الصوانى بعد الإنتهاء من تناول تلك الوليمة وجاء دور هضمها.. إذا بحضور العصائر الباردة من الكركدية والأبرية.. وأخرى ساخنة من القرفة والدمسيسة والحرجل والجنزبيل.. فى جلسة ونسة جماعية جمعت بين الكبير والصغير.. والكل يحتفل بقدومها.. يقول يابختك يا "غالية".

إنتهى هذا اليوم الجميل.. والجميع يهنئون أبو"غالية" داعين المولى عز وجل بأن يبارك له فيها وأن تكون له العوض الصالح فى الدنيا والأخرة.


" 1 "

" الوداع الأخير "
" قطعة من أرض مصر "

" واوات "
بداية أكتوبر عام 1963


"إقتربت سَّاعَة الصّفْر.. وحان موعد الرَحيل عن أرض الأجداد.. ولم يبقى سوى القليل من الأيام المعدودة.. والأهالى حائرون.. ومنتظرون هذة اللحظة الموجعة المؤلمة.. الحزينة القاسية.. لا يعرفون شيئاً عن موطنهم الجديد سوى أسمه المُخيف المُرْعِب المعروف بـوادى الجن والأشباح.. "شعيط ومعيط".

أحاطت أركان القرية بنجوعها أقدام الأغراب والبهوات والأفندية.. وهم يرتدون زيهم الأفرنجى من البدل السوداء.. والقمصان البيضاء.. والطرابيش الحمراء.. ومن بينهم الكثيرون من الموظفون يكتبون.. ويسجلون.. ويحصرون.. كل ما هو موجوداً هنا من أفراد ومنازل وأطيان على تلك الدفاتر والكشوف والسجلات.. وكأن القرية كلها بما فيها وعليها عهده أو أمانة تسلم وترد الى أصحابها مرة أخرى.. يحاولون أن يهيئون حالة الأهالى النفسية ويعاونهم على نقل ما تبقى من ممتلكاتهم وأغراضهم إستعداداً على الرحيل.. فحركاتهم دائمة ومستمرة لا تهدأ ليلاً أو نهاراً.. وعيونهم ساهرة لا ترى ظلام النوم إلا غفلة.. فهم دائماً تغمرهم مشاعر اللهفة والشوق ينتظرون ما بين لحظة وأخرى صدور الأوامر من القادة أوالرؤساء.



أما الأهالى لا حول لهم ولا قوة.. ينظرون إليهم فى دهشة.. ويحيط بهم الذهول والإستغراب.. يتأملون فى كل شىء من حولهم قبل الرحيل والفراق.. يحملون ما يستطيعون حمله ما بين الأطفال الصغار الرضع وغيرها من الأغراض و الحقائب.. الحيونات والطيور.. فالكل مُودع ومُهاجر.. تارك ومُفارق.. فلقد تحولت قُبلة الحياة فى هذة المنطقة بأكملها الى قُبلة الوداع الأخير المشئوم بلا رجعة.. حتى إمتلاءت مياة النهر بالإحزان والأوجاع وزادت بدموع أهلها الكرام، فقد تقطعت قلوبهم الى أشلاء متناثرة ما بين هنا وهناك، لتصبح ملائكة النهر شاهد عيان على حزنهم المغمور تحت قاعه، وكأن أرواحهم جميعاً تتجسد فى شخص واحد تُسلب منه روحه شيئاً فشيئاً لتصَلَ إلى الرَّمَقِ الأَخير لتفارق الحياة عن عمر يناهز آلاف السنين لتصبح فى النهاية جثة هامدة مغموره.. وكأن السماء إمتلاءت بتلك الغمامة السوداء لتمطر على هؤلاء البشر سحابة الفراق.. ليأتى إليهم ذلك الشبح المُخيف الذى يحمل إسماً دائماً كانوا يخشوه.. نعم إنه شبح الرحيل.. جاء فجأةً لينزع تلك الروح التى إستوطنت فيهم.. تاركاً لهم مساحة صغيرة من الذكرى الدامعة.





وإذا بتلك السُفن العالية تتحرك فى هذا الأسطول النهرى الكبير من مرساها بالقاهرة لتتجة وسط أمواج النهر الهادئة نحو أحضان الجنوب حاملة أعلام الجمهورية العربية المتحدة وهى ترفرف على ساريتها لتُطلق جَرْس الإنْذار الأخير عند مرورها على كل قرية من القرى النوبية الموجوده على جانبى النهر يميناً ويساراً، تمهيداً لبدأ تنفيذ أكبر عملية نقل نهرية فى تاريخ الجمهورية.

فنظرت إحدى السيدات من المُهاجرين الى قريتها بـ"دابود"، التى نشأت فيها منذ ظهورها على وجة الدنيا، فهى تُعد أولى قرى التهجير على هذة الخريطة الطويلة العريضة.. بنظرة الوداع الأخير قبل أن تغادرها وتفارقها الى الأبد المحتوم، وبدأت دموعها تتساقط من بين تلك الجفون مُزرفةً على الخُدود بلا إستئذان، كاتساقط قطرات الندى على أوراق الزهور، ربما لم تستطع رؤياها مستقبلاً، وإبنتها الرضيعة من بين أحضانها تضمها إليها بقوة، تحاول أن تهدئ من روعها، إلا إنها كانت تبكى بكاءً شديداً وترتجف خوفاً وهى تصرخ فى وجهها.

وبدأت تسترجع ذكرياتها وما تبقى من ماضيها الجميل التى عاشت فيه طوال فترة حياتها، وأخذت تفتش وتفتش فى دفاتر أفكارها، فقد تركت لها تلك الذكريات بصماتها على كل جوانب القرية، فكل فرد فيها كان له الكثير من القصص والحكايات، فمن السهل أن ينقل الإنسان من وطنه ولكن من الصعب أن ينتزع وطنه من وجدانه وذكرياته.. وتتسائل أين الفرحة التى كانت تعُم هذا المكان ولا تفارقه أبداً؟!!.. أين الوجوه البشوشة الصافية التى لا تعرف سوى الفرح والسُرُور ولا تعرف للحزن معنى؟!!.. فلم تجد لسؤالها إجابة.. فإنها لم ترى شيئاً هنا سوى ملامح تلك الوجوه الغضبانة المُتألِمة.. الحزينة البائسة.

ذات المكالمات والإتصالات الهاتفية على مكاتب القادة والرؤساء وأصحاب القرار.. وأصبح مسرح العلميات هنا واسع المدى بعيد الأطراف موزع ما بين القاهرة وأسوان.. النوبة وكوم أمبو.

تمنيت الجَدَّة فى تلك اللحظة أن تفارف الروح هنا قبل أن تذهب بعيداً عن مسقط رأسها.. وقبل أن تصل سطح مياة النهر جريد تلك النخيل الشامخة ومأذن المساجد العالية.. لتذهب معهم جميعاً الى الطريق المحتوم لتعيش وتستقر على أرض سكنها الجن والأشباح قبل أن يسكنها البشر.. وكأن فيضانات هذا النهر المتتالية تُرسل الي تلك المنطقة جنودها فى كل مرة لتخطفُ قرى تلو الأخرى إما غضباً أو حفاظاً على تلك الجوهورة المكنونة بما فيها من أرض ومنازل وأرث حضارى.. فيضمها هذا الفيضان وسط أحضان مياهه وبين ذراع جباله المسلسلة المنحدرة من الشرق الى الغرب.. وكأنها تشعر بأن هذة البقعة السمراء ستتلاشى وتُمحى من الوجود الى الأبد إذا تُركت لغيرهم.

وإذا بلسانها ينطق بكلمة "الوداع" التى لا تعرف معناها مطلقاً سوى الأن.. قائلةً.. الوداع.. يا من جعلتى لحياتى ولحبك معنى.. فلا أعرف لهما معنى بدونك.. فأنتِ لم تهونى عليا يوماً.. وإن شَوْقَي وَحَنِينَي سيجبرانى يوماً لرؤياكِ.. فإن لم أستطع بوجودى فأعذرينى.. فأنتِ تسرى فى عروقى وذاكرتى ووجدانى كما تسرى الدماء فى جسدى منذ خُلقت وحتى الأن.. الوداع.. يا حبيبتى..يا أميرتى.. يا مملكتى.. يا حبى.. يا حنانى.. الوداع ولكن تذكرى ما سأقوله لكِ.. " حتماً سأعود اليكِ يوماً لا مُحال ".
كلمة على الهامش



للذكريات.. حب ومكانة.. تتربع على عرش القلوب ووجدان البشر.. جميلة كانت أو قبيحة.. سعيدة أو حزينة.. بل إنها فى أغلب الأحيان تشاركنا الأحزان قبل الأفراح.. تغمرنا بالدمعات قبل البسمات.. تجعلنا نرجع بالزمن للوراء.. فنفتش ونقلب فى صفحات دفاترنا القديمة وحكاياتنا الماضية.. وكأننا نحيي ذكرها مرة أخرى من جديد.. فنكتشف فى النهاية بإننا مسيرون ولسنا مخيرون فى إختيار ما نتذكره.. وكأنها تفرض علينا سلطانها وقوتها فى أغلب الأوقات.. فنتذكرها دائماً وأبداً عندما تواجهنا أو تصادفنا مواقف معينة فى حياتنا اليومية.

فما هى إلا مجرد لحظات من مواقف ماضية.. قضينا فيها أوقات مختلفة مع أشخاص تجعلنا نسعد بذكراهم أو نتركهم لحالهم إينما كانوا.. فى مكان ما بالتأكيد نعشقه ونتمناه.. قد تتيح لنا الظروف الرجوع إليه أو لا.. فنشعر بتلك الأحاسيس والعواطف لنحتفظ بها داخل ذاكرتنا.. فنراها من وقت لآخر وهى تتحرك من أمامنا أَعْيُنُنَا.. عابره فى خيالنا.. وكأنها ترافقنا وقتنا الحالى.

فمهما شغلتنا هموم الدنيا وحاولنا النسيان تبقى الذكريات محفورةً فى الوجدان.. تأخذنا إليها الفرحة والسعادة لنرحل معها بالحب وجنة اللقاء.. لتُذهِبُ بنا الى عالم أخر بعيد الأزمان نتذكّر فيه أجمل اللحظات وهى مُكتوبة على سطور النسيان.. وأحياناً بذكراها قد تسيل أَعْيُنُنَا بالدموع حتى تجف.. لتصبح فى النهاية ذكرى.


قصة نوبية